المقاييس الأربعة

المقاييس الأربعة لا تتنافس

نحو ٧ دقائق قراءة

في إحدى رحلاته في الريف السويسري في أوائل عام ١٩١٣، كان طبيب نفسي في الثامنة والثلاثين من عمره يكتب في دفتر صغير. كان قد قطع توا علاقته العلمية مع أستاذه الأكبر، زيغمند فرويد، بعد سنوات من الخلاف الذي بدأ هادئا وانتهى إلى قطيعة. السبب الظاهري كان خلافا حول مركزية الجنس في تفسير العصاب. السبب الباطني أعمق: كان الرجلان يعملان بعقلين مختلفين، وكل منهما يفترض أن عقله هو القاعدة وأن الآخر منحرف. كتب الرجل في دفتره أن المشكلة ليست علمية في جوهرها، إنما هي مسألة نمط نفسي. اسمه كارل يونغ. بعد ثماني سنوات من هذه اللحظة، نشر كتابا اسمه «الأنماط النفسية» (Psychological Types) ليشرح فيه ما توصل إليه: أن الناس لا يستخدمون نفس الأدوات الإدراكية بنفس الترتيب، وأن خلافاتهم العميقة لا تفسر بالأخطاء، إنما بالأنماط.

القصة هذه هي الجد الأكبر لكل مقاييس الشخصية الحديثة. كتاب يونغ لم يكن اختبارا، وإنما خريطة. وفي العقود التالية، حاول أكثر من باحث أن يحول الخريطة إلى أدوات قابلة للقياس. إيزابيل بريغز مايرز وأمها صنعتا MBTI في الأربعينات لتأخذ أربعة محاور دون غيرها من إطار يونغ وتحولها إلى رمز من أربعة أحرف. جون هولاند، عالم النفس الذي عمل مستشارا مهنيا في الجيش الأمريكي، نشر سنة ١٩٥٩ ورقته الأولى حول ستة توجهات مهنية (Realistic, Investigative, Artistic, Social, Enterprising, Conventional) تعكس كيف يتوجه الإنسان إلى البيئة المهنية. دونالد كليفتون، الذي بدأ عمله في جامعة نبراسكا في الخمسينات قبل أن ينتقل إلى مؤسسة Gallup، ابتكر سنة ١٩٩٨ مقياس CliftonStrengths (المعروف أيضا بـStrengthsFinder)، فحل السؤال من زاوية مختلفة: ما العادة السلوكية المعززة لديك حين تترك نفسك بلا توجيه؟

هذه المقاييس الأربعة لا تتنافس على الإجابة. تتنافس على السؤال. كل منها يطرح سؤالا مختلفا، ويجيب عنه بأدوات مختلفة. القارئ العربي الذي يدخل إلى هذا العالم غالبا ما يبدأ بـMBTI ثم يتساءل: أي المقاييس أدق؟ هذا سؤال خاطئ. كأن يسأل طبيب: أي الأدوات أدق، السماعة أم جهاز قياس الضغط أم تحليل الدم؟ كل منها يقيس شيئا آخر. الدقة لا تقاس بمقارنة المقاييس فيما بينها، إنما بمطابقة كل مقياس لما يدعي قياسه.

خذ حالة شخص عرفناه كمثل. طبيب شاب في لندن، اسمه أوليفر ساكس قبل أن يكتب شيئا، تخرج من أوكسفورد بامتياز سنة ١٩٥٨ ودخل مستشفى في غرب لندن. لم يستمر ثمانية عشر شهرا. كتب لاحقا في مذكراته «في الحركة» (On the Move): «أدركت أني لا أقدر على أن أكون طبيبا تقليديا، أن أقف في غرفة الفحص أتخذ قرارات يومية سريعة». غادر إلى الولايات المتحدة، واشتغل في علم الأعصاب، وبدأ يكتب عن مرضاه قصصا مطولة غيرت فن الكتابة الطبية. لماذا فشل في الطب السريري التقليدي، ونجح في كتابة طبية من نوع آخر؟ هذا هو السؤال الذي تجيب عنه المقاييس الأربعة، كل بجزء.

MBTI سيجيب: لأنه INFP. النمط الذي يجد طاقته في العالم الداخلي (I)، يلتقط الأفكار بالحدس لا بالحواس (N)، يتخذ القرارات بناء على القيم لا المنطق المجرد (F)، يفضل المرونة على الإغلاق (P). هذا الحرف الرباعي يشرح لماذا تنفر شخصية ساكس من غرفة طوارئ تطلب قرارا كل خمس دقائق. لكن MBTI لا يشرح لماذا نجح تحديدا في الكتابة الطبية، أو لماذا اختار علم الأعصاب من بين عشرات التخصصات. الإجابة موجودة، لكنها سطحية. هنا يدخل المقياس الثاني.

يونغ، بالثماني وظائف الإدراكية، يقول إن INFP في ترتيبه الكامل لديه Fi مهيمنة (الحكم القيمي الداخلي)، ثم Ne داعمة (الحدس الخارجي الذي يرى الإمكانيات في الموقف)، ثم Si تالية (ذاكرة حسية دقيقة للتفاصيل المعاشة)، ثم Te أدنى (تنظيم الواقع وإصدار القرار). هذا الترتيب يكشف ما لا يكشفه الحرف. ساكس كاتب طبي استثنائي لأنه يلتقط بحدسه (Ne) ما يختلف في كل مريض من القاعدة، ويستدعي بذاكرته الحسية (Si) تفاصيل ساعة الفحص بعد أن انقضت، ثم يكتبها وفق نظام سردي يديره بـTe الأدنى. الكتابة، لا الفحص السريع، هي البيئة التي تستخدم وظائفه بالترتيب الصحيح. الفحص السريع يطلب Te مهيمنة لا أدنى. هذا اختلاف جوهري يختفي في حرفين، يظهر في ترتيب الوظائف.

لكن يونغ وحده لا يفسر لماذا اختار علم الأعصاب من بين التخصصات. هنا يدخل هولاند. RIASEC يقيس التوجه المهني، ويعطي عادة كودا من ثلاثة أحرف. ساكس بالأرجح يحمل كود IAS — تحقيقي، فني، اجتماعي. الـI المرتفع يشرح اهتمامه بأن يفهم كيف يعمل الدماغ. الـA المرتفع يشرح ميله إلى التعبير عن ما يفهمه في نص سردي بدل مقالات علمية جافة. الـS الأدنى لكنه حاضر يشرح لماذا كتب عن المرضى كأفراد لا كحالات. هذا الكود الثلاثي لا يكشف الشخصية، يكشف البيئة التي تنبسط فيها الشخصية. الفرق بين «أنا INFP» و«مهنتي تقع في منطقة IA» فرق بين سؤالين مختلفين تماما.

المقياس الرابع، CliftonStrengths، يطرح سؤالا آخر بالكامل. لا يسأل عن النمط، ولا عن الترتيب الإدراكي، ولا عن البيئة. يسأل: ما عاداتك السلوكية المعززة؟ ما الذي تفعله تلقائيا، بلا تفكير، إذا تركت بلا توجيه؟ هنا ساكس على الأرجح يحمل سمة «التجميع» (Input) في أعلى خمسه، وسمة «الفكر» (Intellection) قريبة منها، وسمة «التعاطف» (Empathy). هذه السمات الثلاث لا تنبع من نمطه MBTI مباشرة، ولا من ترتيب يونغ، ولا من كود هولاند. تنبع من ما اعتاد ذهنه أن يفعل ألف مرة. يحفظ أخبار المرضى، ينغمس في الأفكار، يتقمص الحالة النفسية لمن أمامه. هذه عادات تكتسب وتعزز، لا أنماط مولودة.

عند تجميع المقاييس الأربعة على نفس الشخص، نحصل على صورة لا يستطيع مقياس واحد كشفها. INFP يفسر النمط. Fi-Ne-Si-Te يفسر الترتيب الإدراكي تحت الراحة وتحت الضغط. IAS يفسر البيئة المهنية. Input + Intellection + Empathy يفسر السلوك المعتاد. كل طبقة تجيب عن سؤال مختلف، وكل منها وحدها ناقصة. من يقرأ ساكس بـMBTI وحده يظنه شخصا مزاجيا يجد صعوبة في الالتزام. من يقرؤه بالمقاييس الأربعة يفهم لماذا اختار الكتابة الطبية بدل الطب السريري، ولماذا نجح فيها بعد عقود من المحاولة، ولماذا فشل في لندن سنة ١٩٥٨ رغم أنه كان ذكيا ومتخرجا بامتياز. الذكاء لم يكن المشكلة. البيئة كانت تطلب وظائف ذهنية غير المهيمنة لديه.

هذا التكامل ليس ترفا نظريا. له أثر عملي ثقيل على القراءة الذاتية. إنسان يقرأ نتيجته MBTI ويكتفي بها يخرج بأربعة أحرف. إنسان يقرأها مع نتيجة يونغ يفهم لماذا يتصرف بشكل مختلف تحت الضغط. إنسان يضيف هولاند يعرف أي بيئة مهنية تلائم وأيها تستنزفه رغم كفاءته التقنية. إنسان يضيف CliftonStrengths يفهم لماذا يتقن عملا بعينه ويتعثر في آخر متقارب. كل طبقة مضافة تفكك إبهاما في الطبقة التي قبلها. والطبقات الأربعة معا تنتج صورة ثلاثية الأبعاد لا تنتجها طبقة واحدة ولو كانت الأكثر دقة.

هل يمكن للطبقات أن تتناقض؟ نعم، وهذا أخطر سؤال. قد يخرج منك MBTI كـESTJ وهولاند كـAIE (فني-تحقيقي- ريادي). هذا تناقض ظاهري بين شخصية تنظيمية تقليدية وميل مهني فني. التناقض لا يعني خطأ في أحد المقياسين، يعني أن صاحبه يعمل في وظيفة تنظيمية صباحا وينغمس في الفن مساء. الإنسان مركب، والمقاييس المتكاملة تكشف التركب بدل أن تسطحه. من يستخدم مقياسا واحدا يختار، ضمنيا، أن يرى وجها واحدا من نفسه. من يستخدم أربعة يرى أربعة وجوه، ويتعلم الجمع بينها. هذا هو الفرق بين قراءة سطحية وقراءة ناضجة.

من جلس في الريف السويسري سنة ١٩١٣ يكتب في دفتره لم يكن يكتب مقياسا. كان يكتب خريطة. والخريطة لا تستنفد بزاوية واحدة؛ تحتاج أن تقاس من عدة مواقع لتكتمل. من يقرأ نفسه بأربعة مقاييس يفعل ما اقترحه يونغ ضمنا قبل أكثر من قرن: يرى نفسه من زوايا متعددة، ثم يتولى بنفسه عمل التركيب. لا يسلم النتيجة لمقياس يختزله، ولا يرفض النتيجة لأنها مخيبة. يمسك بها كأداة يستخدمها ولا تستخدمه.