هولاند

نموذج هولاند: النشأة والفكرة والنقد العلمي

نحو ٦ دقائق قراءة

من أين جاءت الفكرة

ولدت نظرية جون هولاند (John L. Holland) من ملاحظة ميدانية لا من تأمل نظري. ففي خدمته بالجيش الأمريكي إبان الحرب العالمية الثانية عمل مقابلا للتصنيف، يفرز المجندين على المهام، فلاحظ أن الناس يتجمعون في عدد محدود من الأنماط المهنية تبعا لتوجههم السلوكي. حملته هذه الملاحظة إلى دراسة الدكتوراه في علم النفس الإرشادي بجامعة مينيسوتا، في تقليد علمي يعرف بالتجريبية الصارمة (dust-bowl empiricism). وفي بحثه هناك درس كيف تتنبأ سمات الشخصية بإنتاج الفنانين، فترسخت لديه الفرضية المركزية التي بنى عليها كل شيء لاحقا: أن الميول المهنية وجه من وجوه الشخصية تعبر عنها، متجذرة فيها لا قائمة بمعزل عنها. ثم جاءت الصياغة الرسمية الأولى في مقالته عام 1959 «نظرية في الاختيار المهني»، وترجم نظريته إلى أداة عملية عبر «استبيان التفضيل المهني» (VPI) ثم أداته الأشهر «البحث الذاتي الموجه» (SDS) عام 1971.

المشكلة التي حلها

قبل هولاند كان الإرشاد المهني يعتمد على أدوات ثقيلة كاستبيان سترونغ (SVIB) وسجل كودر (KPR). تطلبت هذه الأدوات تصحيحا خارجيا معقدا يؤخر النتيجة، واستعملت مقاييس مرتبطة بمهنة واحدة يصعب تعميمها، والأهم أنها لم تقدم إطارا موحدا يربط نتيجة الشخص بعالم العمل الواسع.

كان ابتكار هولاند حل مشكلة الترجمة هذه. صمم أداة يصححها صاحبها فيحصل على نتيجته فورا، لكن العبقرية الحقيقية في فكرة أعمق: تصنيف واحد مشترك يصف الأشخاص والبيئات بلغة واحدة. فبدل أن يكون للناس لغة وللوظائف لغة أخرى، صار النمط نفسه (كالباحث مثلا) يوصف به الإنسان وتوصف به البيئة، فيغدو التطابق بينهما مباشرا.

فكرة التطابق بين الشخص والبيئة

تقوم النظرية على ستة أنماط تختصر بحروفها: الواقعي (R)، الباحث (I)، الفني (A)، الاجتماعي (S)، المقدام (E)، التقليدي (C). ولأن الإنسان نادرا ما يكون نمطا خالصا، ترتب نتائجه على الأنماط الستة من الأعلى إلى الأدنى، ويؤخذ من القمة رمز من حرفين أو ثلاثة (الأول هو الغالب). فرمز «SEA» مثلا يصف شخصا يغلب عليه ميل المساعدة والتعليم (S)، يليه ميل الإقناع والقيادة (E)، ثم تقدير الحرية الإبداعية (A).

وثمة حد فاصل يجب الانتباه إليه: الرمز يصف ما يستمتع به الإنسان ويميل إليه، لا ما يجيده بالضرورة ولا ما يضمن له النجاح. الميل شيء والقدرة شيء آخر، وهذه نقطة سيعود إليها النقد العلمي بقوة. ثم تأتي ثلاثة مفاهيم بنيوية تقيس جودة الصورة:

  • الاتساق (consistency): مدى انسجام عناصر الرمز، ويقاس بقرب الحرفين الأولين على السداسي. الرمز المنسجم تتكامل ميوله فيسهل أن تجمعها بيئة واحدة.
  • التمايز (differentiation): مدى وضوح الصورة، ويحسب بالفرق بين أعلى مقياس وأدناه. الصورة الواضحة قمة حادة، تعني ميولا محسومة؛ والصورة المنبسطة ميول متقاربة تعني تعدد القدرات أو قلة الخبرة بعالم العمل.
  • التطابق (congruence): مدى تلاؤم رمز الشخص مع رمز بيئته. التطابق العالي يمد صاحبه بما يقدره من فرص وأقران ومكافآت فيقل الاحتكاك، والمنخفض يفرض عليه أن يكيف سلوكه باستمرار.

السداسي وحسابه

لم يكن السداسي جزءا من صياغة 1959 الأصلية. ظهر رياضيا قرابة عام 1969 حين حلل هولاند وزملاؤه أنماط الترابط بين مقاييس VPI، فلاحظوا أن الأنماط الستة تترتب في حلقة دائرية. من هذه الملاحظة ولد السداسي: شكل يرتب الأنماط في اتجاه عقارب الساعة R-I-A-S-E-C، وتعبر فيه المسافة المكانية عن التشابه النفسي. فكلما اقترب نمطان على الشكل، زاد اشتراكهما في الميول والقيم والبيئات المفضلة. وتترجم هذه المسافات إلى أرقام ترابط فعلية ليست متساوية:

  • الأزواج المتجاورة (كـ R-I و S-E): الأكثر اشتراكا، بمتوسط ترابط قرابة 0.45.
  • الأزواج المتناوبة (يفصل بينها نمط واحد، كـ R-A و I-S): اشتراك متوسط، قرابة 0.37.
  • الأزواج المتقابلة (عبر السداسي، كـ R-S و I-E): الأقل اشتراكا وميولها متعارضة، قرابة 0.27.

ولأن هذه القيم متفاوتة، فالسداسي ليس مضلعا متساوي الأضلاع كما قد يوحي الشكل المرسوم، وهذه نقطة محورية في النقد العلمي. ومن السداسي يحسب التطابق بطرق عدة، أبسطها مؤشر يمنح الزوج المتطابق ثلاث نقاط، والمتجاور نقطتين، والمتناوب نقطة، والمتقابل صفرا، ثم تجمع. وثمة طرق أدق كمؤشر إيخان (Iachan) الذي يوازن الفروق بين أعلى الأنماط.

تطور النظرية

لم تبق النظرية ثابتة. في مراجعتها الأولى عام 1966 شحذ مفهوم البيئة واعتمدت تسميات RIASEC. ثم ظهر السداسي بين 1969 و1973 وتشكل حسابه. والمهم في التطور اللاحق أن هولاند نفسه، في مراجعتي 1985 و1997، خفض من شأن مفهوم الاتساق بعد أن جاء سنده التجريبي مضطربا، ورفع في المقابل من شأن مفهوم «الهوية المهنية» (vocational identity): وضوح أهداف الإنسان وميوله ومواهبه واستقرارها. وهذا التواضع العلمي، أن يتراجع صاحب النظرية عن مفهوم لم تسنده الأدلة، علامة على متانة المنهج لا ضعفه.

النقد العلمي

أي أداة قياس نفسي ينصفها أن تعرض مع نقدها، ونموذج هولاند من أكثر النماذج بحثا ونقدا. وتتركز المآخذ في ثلاثة محاور.

أولا: شكل السداسي. الترتيب الدائري للأنماط (أن المتجاور أقوى ترابطا من المتباعد) يتكرر في الدراسات على نطاق واسع ويحظى بسند قوي. لكن الافتراض الهندسي الصارم، أن المسافات بين الأضلاع الستة متساوية تماما، يفتقر إلى سند تحليلي عاملي قوي. ولهذا يصف الباحثون البنية الحقيقية بأنها دائرية الانتظام (circumplex) أو «مضلع مشوه» لا سداسيا منتظما؛ فمسافة الواقعي عن التقليدي مثلا أوسع غالبا مما يفترضه النموذج. ومن النتائج اللافتة أن النمط الباحث يميل إلى موقع قريب من مركز الدائرة لا على محيطها كبقية الأنماط. والخلاصة التي استقر عليها كثير من الباحثين: نموذج هولاند نموذج «ترتيب» يحظى بسند قوي، لا نموذج سداسي متساوي الأضلاع. وقد طرحت بدائل ترى أن الأنماط الستة تحجب أبعادا أعمق، أبرزها نموذج Prediger الذي يردها إلى محورين: البيانات مقابل الأفكار، والأشياء مقابل الناس، إضافة إلى نماذج Tracey و Rounds الدائرية.

ثانيا: ضعف التنبؤ. صمم النموذج أصلا نظرية في «الاختيار» المهني، أي يتنبأ بالبيئات التي ينجذب إليها الإنسان ويرضى عنها، لا بأدائه فيها. ومع أن التطابق الأعلى يتنبأ فعلا برضا وظيفي أعلى واستقرار أكبر، فإن قوة هذا التنبؤ متواضعة؛ فقد بين تحليل بريدي (Tsabari وزملاؤه، 2005) أن متوسط الارتباط بين التطابق والرضا الوظيفي لا يتجاوز 0.17. وأبعد من ذلك ذهب تحليل Van Iddekinge وزملائه عام 2011، إذ وجد أن تنبؤ ميول RIASEC بالأداء الفعلي في العمل قريب من الصفر (الواقعي 0.01، الباحث 0.00، الفني سالب 0.03، التقليدي 0.00). وخلاصة هذا المحور أن RIASEC يقيس ميلا لا قدرة؛ والميل يحرك الدافع لاكتساب المهارة، لكنه لا يضمن الأداء. واللافت أن الدراسة نفسها وجدت أن دمج عدة مقاييس ميل بترجيح إحصائي يتنبأ بالأداء (ارتباط مصحح 0.37) أفضل بكثير من مؤشرات التطابق التقليدية (0.15).

ثالثا: حدود الصلاحية عبر الثقافات. الترتيب الدائري لـ RIASEC تأكد في عينات أوروبية وآسيوية وأسترالية كثيرة، لكن ملاءمته تضعف في عينات غير غربية. لم تنطبق البنية الدائرية على عينات في هونغ كونغ وتايوان والهند بالجودة نفسها التي انطبقت بها على العينات الأمريكية، وفي دراسة موسعة عبر تسع عشرة دولة فشل النموذج في تحقيق التكافؤ البنيوي عبر معظمها. ولهذا أثر عملي مباشر: تعريفات هولاند للبيئات مرتبطة بسوق العمل الأمريكي في القرن العشرين. وفي السياق العربي قد يحمل المسمى الوظيفي نفسه مهاما يومية مختلفة ومكانة اجتماعية مختلفة، ما يستلزم تحليلا محليا للوظائف قبل إسناد رموز البيئة، لا نقلا حرفيا للتصنيف الأمريكي.

كيف نقرأ النموذج إذن

نموذج هولاند أداة قوية لفهم الميول وتوجيه التفكير المهني، لكنه ليس عرافا يتنبأ بالنجاح ولا مقياسا للقدرة. تكمن قيمته في أنه يمنح لغة مشتركة تصف الإنسان والبيئة معا، فتجعل سؤال «أين أزدهر؟» سؤالا قابلا للبحث لا مجرد حدس. والقراءة الناضجة له تأخذ منه ترتيبه الدائري المتين، وتتحفظ على حرفية السداسي المتساوي، وتتذكر دائما أنه يقيس ما يحرك الإنسان لا ما يجيده، وأنه يحتاج معايرة محلية حين ينقل إلى سياق غير الذي ولد فيه.