CliftonStrengths

التعلم والتجميع: ما الفرق؟

نحو ٧ دقائق قراءة

في الأشهر الأولى من عام ٢٠٠٧ كان رجل في الثلاثين من عمره يجلس أمام بطاقات ورقية صغيرة كتب عليها كلمات يابانية، وحدد لنفسه مهلة ضيقة: ثلاثة أشهر يخرج بعدها قادرا على مجاراة حوار متوسط. حين انتهت المهلة، ترك اليابانية كأنها لم تكن، وانتقل إلى رمي السهام، ثم مراسم الشاي، ثم التانغو الأرجنتيني في بوينس آيرس. كل مجال ثلاثة أشهر تقريبا، ثم انسحاب. هكذا كتب عن نفسه في كتابه «أسبوع العمل ذو الأربع ساعات» (The 4-Hour Workweek)، وهكذا تابعت سيرته المنشورة بعده: من كتاب عن الطبخ، إلى آخر عن النبيذ، إلى ثالث عن الجسد، إلى مقابلات مع مئات من كبار المتخصصين في مجالات لا يجمعها جامع.

الرجل هو تيم فيرس (Tim Ferriss). يكتب عن نفسه أن ما يستهويه هو منحنى البدايات الحاد، لا منحنى الإتقان النهائي، وأنه يخطط لمجالاته بناء على ذلك. كتبه ومدوناته تتوالى وفق هذا النمط بالضبط: ضربات قصيرة عميقة في مجال، ثم انتقال هادئ إلى مجال آخر. المتعة القصوى عنده ليست في الإتقان النهائي، ولا في الحفظ، ولا في الاستخدام لاحقا. المتعة في تلك الأسبوعين الأوليين حين ينتقل الذهن من «لا أفهم شيئا» إلى «بدأت أميز». هذه القفزة هي الجائزة. ما بعدها هضبة مملة.

في الجهة الأخرى من الكوكب، كان رجل آخر يؤدي طقسا بدا متطابقا مع طقس فيرس ظاهرا، ومغايرا جوهريا. مرتين في السنة، خلال أكثر من عقدين، كان بيل غيتس (Bill Gates) ينسحب إلى كوخ خشبي في شمال غرب الولايات المتحدة لما سماه «أسابيع التفكير» (Think Weeks). لا عائلة، لا اجتماعات، صناديق ورقية مرتبة مسبقا من قبل فرق مايكروسوفت، فيها أوراق بحثية، مذكرات داخلية، كتب عن البيولوجيا الجزيئية، تقارير عن المناخ، مذكرات تاريخية. ساعات طوال يوميا يقرأ ويكتب الهوامش. أشهر مذكراته الداخلية، «موجة الإنترنت القادمة» التي أعادت توجيه مايكروسوفت في 1995، خرجت من كوخ مثل هذا. وفي مقابلات لاحقة وصف غيتس أسابيع التفكير بأنها المكان الذي تلتقي فيه قراءاته المتفرقة لتصير قرارا، وملأها بما لا يجمعه عقل في حالته الطبيعية: تقارير صيدلانية، أوراق فيزياء، خرائط مناخية، توقعات ديموغرافية.

ما يفعله غيتس في تلك الأيام ليس تعلما بالمعنى الذي يعنيه فيرس. غيتس لا ينتشي بمنحنى الصعود. إنه يجمع. يكدس المدخلات، ويتركها تختمر ببطء حتى تلتقي في قرار بعد شهر، أو سنة، أو عشر. حين أطلق مع زوجته السابقة الحملة العالمية ضد الملاريا في أواسط العقد الأول من الألفية، كانت القرارات التنفيذية بنتا لأوراق علمية كان قد قرأها قبل ذلك بسنوات. القراءة عنده لا تنتج مهارة. تنتج رصيدا ينتظر ساعته.

الفرق بين فيرس وغيتس لا يظهر من خارج. كلاهما يقرأ كثيرا، كلاهما يصنف في كل سيرة ذاتية بأنه «شخص فضولي»، كلاهما عنوان لما يسمى في الإعلام «محبا للتعلم». والقارئ العربي الذي يتعرف على نفسه في إحدى الصورتين يظن أنه أمام نمط واحد. لكن منهج كليفتون (CliftonStrengths)، في تفصيله أربعا وثلاثين سمة سلوكية، يفرز هذا اللبس بدقة. ما يحرك فيرس سمته «التعلم» (Learner)، وما يحرك غيتس سمته «التجميع» (Input). كلتاهما تنتمي إلى المجال نفسه عند Gallup — مجال «التفكير الاستراتيجي» — لكن المحرك الداخلي مختلف.

صاحب «التعلم» يتغذى على لحظة الانتقال. حين يستوي المنحنى، تختفي النشوة، فينسحب صاحبها إلى مجال جديد. هذا يفسر لماذا يملك أحدهم ست لغات بمستوى المحادثة ولا يملك واحدة بمستوى الكتابة الأدبية. ليست المسألة نقصا في القدرة؛ المسألة أن الإكمال نفسه لا يكافئ. أما صاحب «التجميع» فيتغذى على الاحتفاظ. اللذة عنده في امتلاك المعرفة لا في خوضها. مكتبته الإلكترونية فيها ألف مقال لم يقرأها كاملة، ولكنه مطمئن لوجودها لأن يوما سيأتي يحتاجها. الجائزة ليست المنحنى؛ الجائزة الرصيد.

نافال راڤيكانت (Naval Ravikant)، المستثمر في وادي السيليكون ومؤسس AngelList، مثال هادئ آخر على المحرك الثاني. قائمة قراءته المنشورة في حسابه على الإنترنت تدور في أغلبها حول مجموعة صغيرة من الكتب الفلسفية الكلاسيكية: «رسائل سينيكا إلى لوكيليوس»، و«ساپينس» ليوفال نوح هراري، وكتب الرواقيين، وملخصات حكم تشارلي مونغر. ويتكلم في مقابلاته المتعددة عن تفضيله إعادة قراءة الكتاب الواحد ست أو سبع مرات على أن يفتح كتابا جديدا. هذا سلوك لا ينشأ في ذهن صاحب التعلم، الذي يكون قد سئم الكتاب بعد الجولة الثانية. صاحب التجميع يختار العمق في الرصيد، لا الاتساع في المنحنى. كتاب يعاد قراءته عشر مرات هو رصيد ينضج مع الزمن، لا مجال جديد يستهلك ثم يترك.

نفس المحرك تمكن أن نراه في عالم مختلف كوادي السيليكون: ديفيد ألن (David Allen)، صاحب منهج Getting Things Done، الذي بنى كل تعليماته حول فكرة مركزية هي «الإفراغ من الرأس إلى نظام خارجي موثوق». الفكرة الباطنة تحت المنهج كله: لا تثق ذاكرتك بالمعلومة. ابن أرشيفا تستطيع الرجوع إليه. منهج ألن لا ينشأ في رأس صاحب «التعلم» الذي يستهلك المعلومة وينتقل؛ ينشأ في رأس من يؤمن أن المعرفة المدونة والمفهرسة ثروة تدخر، لا تجربة تعاش.

في تراثنا العربي، يجلس على عرش هذه السمة رجل من القرن الرابع الهجري هو ابن النديم. كتب «الفهرست» في بغداد سنة ٣٧٧ هـ تقريبا، فأنشأ ما يعد في الأدبيات الحديثة أول فهرس عربي موسوعي لكل مؤلف بلغه علمه: عناوينه، أسماء أصحابه، أخبارهم، مذاهبهم. لم يكتب ابن النديم علوما جديدة، ولا حاول إتقان فن بعينه. كان يجمع. يدخل على الوراقين في بغداد، يقلب الكتب، يسجل في كشكوله ما رأى، وينتقل إلى الوراق التالي. ما تركه لنا ليس فلسفة ولا علما تطبيقيا، ترك لنا أرشيفا نعرف به اليوم ما كان في خزائن بغداد قبل أن يحرقها هولاكو. هذا نمط التجميع في صورته التاريخية الأنقى: قيمة الرجل لا في ما تعلمه، في ما حفظه لغيره.

الإنسان يملك المحركين معا، لكن هيمنة أحدهما على الآخر تفسر سلوكه عند الضغط. صاحب «التعلم» إذا تكدست عليه مهام مكررة شعر بإرهاق سريع لا يفهمه زملاؤه، لأن الكفاءة المهنية تشترى عادة بثمن الرتابة، وهو لا يملك عملة الرتابة. وصاحب «التجميع» إذا أجبر على التنفيذ قبل أن يكمل الجمع شعر بأنه يتكلم بلا مرجع، فيؤجل القرار حتى يقرأ مقالا آخر. كلاهما خلل، وكلاهما ينفع حين يحاط بشريك من الجهة المقابلة. صاحب التعلم يحتاج صاحب التجميع ليحفظ ما تعلمه. وصاحب التجميع يحتاج صاحب التعلم ليمارس ما جمعه.

القارئ الذي يرى في نتيجته أن «التعلم» في أعلى الخمس عنده، لا ينبغي أن يتوقع من نفسه ذاكرة موسوعية ولا أرشيفا منظما ولا قدرة على استرجاع ما قرأ. هذا ليس تقصيرا، هذه طبيعة المحرك. والقارئ الذي يرى «التجميع» في أعلى نتيجته، لا ينبغي أن يتوقع من نفسه نشوة القفز بين المجالات أو شهية المبتدئ المتكررة. مكتبته هي شخصيته. الانتقال يتعبه، لكن الاستقرار على رصيد ينمو هو موقعه الطبيعي. تشخيص المحرك هو الخطوة الأولى في علاج خلله، وفي فهم لماذا ينجح إنسان في بيئة ويتعطل في غيرها رغم أن الذكاء واحد. ولأن المحركين كليهما في عائلة واحدة، يخلط المحتوى العربي المتداول بينهما فيكتب «أنت شخص محب للمعرفة» في وصف ينطبق على الاثنين. هذا الخلط يحرم القارئ من السؤال الجوهري: هل المتعة عندك في القفزة، أم في الاحتفاظ؟

تيم فيرس كتب في إحدى مذكراته بعد عشر سنوات من تجربة اليابانية أنه لا يتذكر منها كلمة واحدة. لم يحزنه ذلك. لم يكن يجمع اليابانية ليستخدمها يوما ما. كان يركب المنحنى ثم ينزل. اللغة عنده وسيلة للذة، لا غاية للتملك. من قرأ قصته في البداية وتعرف على نفسه فيها، يعلم الآن أن الذي يتعرف عليه هو سمته، وأن الذي يخلو من كلمة يابانية بعد عشر سنوات ليس فشلا منه؛ هذه هي طبيعة المنحنى. الجائزة قبضت في حينها.