في إبستمولوجيا الاختبارات
متى تثق بنتيجة المقياس ومتى تتشكك؟
نحو ٧ دقائق قراءة
في خريف واحد من السنوات الأخيرة، جلس شاب في الخامسة والعشرين أمام شاشته في غرفته بالرياض، ودخل إلى موقع شائع يعرض اختبار شخصية مؤدى. بعد ستين سؤالا وأربع عشرة دقيقة، خرجت له أربعة أحرف: INFJ. قرأ الوصف، وجد نفسه فيه، وأغلق الصفحة مقتنعا أنه اكتشف شيئا عن نفسه. بعد ثلاثة أشهر، في مرحلة من القلق المهني، عاد إلى الاختبار نفسه على الموقع ذاته. النتيجة هذه المرة: ENFP. الحرف الأول تبدل، الحرف الأخير تبدل، حرف ثالث تبدل. ثلاثة من أربعة. ولم يتغير هو، لم ينتقل من بلد إلى بلد، لم يغير وظيفة. كيف يمكن لشخص أن يكون INFJ في الصيف، وENFP في الشتاء؟
القصة هذه ليست نادرة. في أوائل التسعينات، قام عالم النفس ديفيد بتنغر (David J. Pittenger) في جامعة Indiana State بجمع بيانات إعادة الاختبار من عدد من الدراسات المنشورة عن MBTI، ونشرها سنة ١٩٩٣ في مقالة صارت من أشهر المراجع النقدية للمقياس. وجد أن ما يقارب خمسين بالمئة من المختبرين يحصلون على نمط مختلف عن نمطهم السابق إذا أعادوا الاختبار بعد فاصل يتراوح بين خمسة أسابيع وتسعة أشهر. النسبة هذه ليست مطعنا بسيطا يمكن تجاوزه؛ هي مشكلة في القلب من كيف يعمل المقياس. مقياس يعطي صاحبه نتيجتين مختلفتين في فاصل زمني قصير لا يستطيع أن يدعي أنه يقيس نمطا ثابتا.
الفهم الصحيح لهذه البيانات لا يلغي قيمة MBTI، ولا غيره من مقاييس الشخصية. يحدد نطاق ما ينفع المقياس فيه وما لا ينفع. ينفع MBTI كلغة مشتركة بين الزملاء، ينفع كنقطة بداية لحوار ذاتي، ينفع كمرآة خشنة تكشف للقارئ تفضيلات لم يكن قد سماها. لا ينفع كتشخيص نهائي، ولا كأساس لقرار مهني كبير، ولا كهوية. الفرق بين النفعين هو الفرق بين أن تستخدم النتيجة وأن تخضع لها.
متى تكون النتيجة جديرة بالثقة؟ ثلاثة سؤالات تفصل النتائج التي تستحق القراءة عن النتائج التي تستحق الإلغاء. السؤال الأول عن صدق الإجابات: حين أجبت عن الستين سؤالا، هل أجبت بما تفعله فعلا، أم بما تتمنى أن تفعل، أم بما تظن أن الاختبار ينتظر منك؟ كثير من المختبرين العرب يدخلون إلى الاختبار وهم يعرفون من متابعتهم للموضوع على الإنترنت أن النمط INTJ مثلا مرتبط بالعبقرية، أو أن النمط INFJ نادر وخاص، فينحازون في إجاباتهم بشكل لا يشعرون به. النتيجة في هذه الحالة ليست قراءة للشخصية؛ هي قراءة لما تريد أن تكون. الفرق هائل. العلاج البسيط: عند كل سؤال، تخيل أنك تصف نفسك لصديق يعرفك جيدا ولن تقدر على الكذب عليه. الإجابات تتغير.
السؤال الثاني عن حدة النسب. النتائج تأتي عادة مع أرقام مئوية في الخلفية، وإن لم تكن ظاهرة في الواجهة. النسبة الحادة (سبعون إلى ثلاثين، أو أعمق) تعني أن الإجابات اتفقت بوضوح على تفضيل واحد. النسبة الحدية (اثنان وخمسون إلى ثمانية وأربعين) تعني أن الإجابات كانت موزعة، وأن الحرف الذي ظهر في النتيجة قد يكون نتيجة إجابتين اثنتين من أصل ستين. من يخرج بنتيجة INFJ بنسبة ٥٣٪ من حرف F مقابل ٤٧٪ من حرف T ليس INFJ في الحقيقة؛ هو شخص في المنتصف بين الشعور والتفكير، والمقياس أنزله إلى أحد الطرفين لسبب إحصائي لا لسبب جوهري. الثقة بنمط مبني على نسبة حدية توازي الثقة بنتيجة قرعة.
السؤال الثالث عن الاتساق السلوكي. كتب المعايير الأكاديمية للاختبارات النفسية، أوضحها معايير الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA Standards for Educational and Psychological Testing)، تميز بين «الصدق المتنبئ» (predictive validity) و«الصدق المتزامن» (concurrent validity). أبسط طريقة لتطبيق هذا المعيار على نتيجتك الشخصية: اسأل ثلاثة أشخاص يعرفونك جيدا، دون أن تخبرهم بالنتيجة، أن يصفوك. ثم قارن وصفهم بالنتيجة. الاتفاق يرفع الثقة، الاختلاف يفتح حوارا. إذا قال زملاؤك إنك حازم في القرار وصارم في التنفيذ، وخرجت نتيجتك F (شعوري، ميال إلى القيم)، فالمقياس الذي قرأ صدق نفسك فيه عاش عندك دون أن يظهر في سلوكك مع المحيط. هذا تناقض مهم، لا خطأ.
هناك شرط رابع خاص بالقارئ العربي. ثقافتنا تحمل توقعات محددة عن الذكور والإناث في عدد من المحاور. الذكر ينشأ في بيئة تحثه على الحسم المنطقي وتثبط فيه التعاطف العلني، فتنحاز إجاباته إلى حرف T حتى ولو كان في حقيقته أقرب إلى F. الأنثى تنشأ في بيئة تكافئ الانتباه لمشاعر الآخرين، فتنحاز إجاباتها إلى حرف F. هذا الانحياز الثقافي يدخل في النتيجة بغير قصد من صاحبها، ويلون الحرف بلون ليس لونه. من يقرأ نتيجته دون أن يسأل: هل أجبت كما أنا، أم كما يتوقع المحيط مني؟ يفقد طبقة من القراءة لا يستطيع المقياس وحده أن يكشفها.
متى تعيد الاختبار؟ القاعدة العملية في الأدبيات: لا قبل ستة أشهر. الإنسان في فاصل أقصر هو الإنسان نفسه، وإعادة الاختبار في هذه المدة تنتج عنها ضوضاء لا معلومة. أما بعد ستة أشهر، خاصة إذا حدث تغير مرحلي — تخرج، زواج، انتقال إلى وظيفة جديدة، هجرة، فقد كبير — فالإعادة مثمرة. ليس لأن النمط تغير، إنما لأن الزاوية التي ترى بها نفسك تغيرت، والأسئلة نفسها تلتقط بأذن مختلفة. لو أعدت الاختبار وخرج نمط مختلف، فالواجب عليك حينها أن تسأل: هل أنا تغيرت، أم كان المقياس الأول غير دقيق، أم كان هذا المقياس غير دقيق؟ السؤال الثلاثي هذا أهم من إجابة سريعة تتبنى أحد النمطين.
هناك فرق بين «النتيجة خاطئة» و«النتيجة غير دقيقة». المقياس الذي يخرج بنتيجة تنحرف عن واقعك بشكل صريح — يقول إنك انبساطي شديد بينما أنت تهرب من التجمعات الصاخبة — هذه نتيجة خاطئة. خطأ في الإجابات، أو في المقياس نفسه، أو في طريقة حسابه. أما المقياس الذي يضعك في فئة أنت في منتصفها، فهذه نتيجة غير دقيقة، لا خاطئة. الفرق العملي: النتيجة الخاطئة تلغى ويعاد التفكير من الصفر. النتيجة غير الدقيقة تحتفظ بها كتخمين ينتظر التأكيد. من لا يميز بين الحالتين يرفض كل النتائج إذا لم تكن مئة بالمئة، أو يتبنى كل النتائج إذا كان يشعر ببعض الاتفاق. كلتا العادتين قاتلة للفهم.
كتب عالم النفس روبرت هوغان (Robert Hogan) في إحدى مقالاته النقدية: «المشكلة في مقاييس الشخصية الشعبية ليست أنها لا تعمل، إنما أنها تعمل بشكل يكفي لإقناع صاحبها بأنها تعمل بشكل كامل». الجملة هذه تختزل مشكلة الثقة. النتيجة الجيدة تصيب أجزاء من القارئ فيتوهمها صحيحة كلها. هذا ما يخدعه. المختبر الناضج يفرز: ما الذي تنطبق عليه نتيجتي بشكل ملموس؟ ما الذي تنطبق عليه بشكل غامض؟ ما الذي لا تنطبق عليه أبدا؟ الثلاثة كلها معلومات. الجزء الذي ينطبق هو ما يمكن استخدامه. الجزء الغامض ينتظر مزيدا من السلوك الملحوظ. الجزء الذي لا ينطبق يكشف انحياز المقياس أو انحياز الإجابات.
الشاب الذي خرج بـINFJ في الصيف وENFP في الشتاء يستحق إجابة صريحة. النتيجتان لم تكونا قراءتين لنمطه؛ كانتا قراءتين لحالتين مزاجيتين. في الأولى أجاب بما يشعر به في فترة هادئة (ميل إلى الخصوصية، إلى القرار المدروس، إلى المشاعر الخفية). في الثانية أجاب بما يشعر به في فترة قلقة (حاجة إلى التواصل، إلى المرونة، إلى الاكتشاف). كلتا الحالتين صحيحتان عن مزاجه في تلك اللحظة، وكلتاهما كاذبتان عن نمطه الجوهري. النمط الجوهري لا يظهر في جلسة واحدة. يظهر في اتساق بين عدة جلسات في حالات مختلفة، أو في مقارنة بين النتيجة ووصف ثلاثة أشخاص يعرفونك، أو في ملاحظتك لسلوكك خلال شهر كامل. النتيجة الواحدة تخمين. الاتساق هو الدليل.
من جلس في غرفته بالرياض في تلك الليلة لم يكن مطلوبا منه أن يختار بين INFJ وENFP. كان مطلوبا منه أن ينتقل من سؤال «ما نمطي؟» إلى سؤال «ما الذي تتفق عليه النتيجتان؟» الحرف N ظهر في الاثنين، والحرف F ظهر في الاثنين. هذا اتفاق يستحق الاحتفاظ به. الاختلاف بين E وI وبين J وP يكشف أنه شخص في المنتصف في هذين المحورين، يتقلب بحسب الحالة. هذا أيضا معلومة. من يطلب من مقياس أن يعطيه يقينا حيث الواقع لا يملك يقينا، يخرج بيقين كاذب. من يطلب منه أن يكشف ما هو ثابت في حالاته المتعددة، يخرج بأداة تنفعه. الفرق بين الثقتين هو الفرق بين أن يستخدم المقياس وأن يستهلكه.