المقاييس ← مايرز-بريغز
مايرز-بريغز (MBTI)
ما يقيس
مايرز-بريغز (MBTI) أداة تصنيف تضع الإنسان على أربعة محاور ثنائية. مصدر الطاقة يقاس بين الانبساط (E) والانطواء (I)، وطريقة استقبال المعلومات بين الحس (S) والحدس (N)، وطريقة اتخاذ القرار بين التفكير (T) والشعور (F)، وأسلوب تنظيم الحياة الخارجية بين الحسم (J) والمرونة (P). الترتيب الناتج يعطي رمزا من أربعة أحرف، مثل INTJ أو ESFP، من أصل ستة عشر نمطا ممكنا. كل محور يصف تفضيلا، وكل تفضيل يأتي بدرجة وضوح مختلفة، ويفترض ثباته نسبيا عبر المواقف والسنوات.
المقياس يصف ميلا عاما في كل محور، ولا ينفي وجود الطرف الآخر فيك. كثير من الناس يقعون قرب منتصف المحور، وتسمى حالتهم في الأدبيات «التفضيل الضعيف». الرمز الرباعي مفردة مختصرة لا صندوقا مغلقا. لا يجيب سؤال المهنة (هذا دور هولاند)، ولا يكشف الوظيفة الإدراكية المهيمنة (هذا دور يونغ)، ولا ينزل إلى السلوك التفصيلي (هذا دور كليفتون). ما يقدمه خريطة عليا تجمع تفضيلاتك في صورة قصيرة قابلة للحفظ والمشاركة، تصلح مدخلا لغويا للحديث عن النمط داخل الفريق والأسرة. النمط في MBTI ليس قدرة ولا قيمة، فالشخص الانطوائي ليس أفضل ولا أدنى من الانبساطي، وهذا التحييد القيمي ميزة الأداة منذ تأسيسها. ما يقيسه إذن ميلا سلوكيا مستقرا نسبيا عبر المواقف اليومية، لا حالة مزاجية عابرة ولا قرارا واعيا يتخذه الشخص بشأن نفسه في لحظة الإجابة، فالنمط تفضيل متكرر لا اختيار يومي.
من أين جاء
بدأت كاثرين كوك بريغز اهتمامها بأنماط الشخصية عام 1917 حين راحت تلاحظ الفروق بين زائريها وتدون أوصافها. ازداد عملها عمقا بعد قراءتها كتاب كارل يونغ «الأنماط النفسية» (1921)، فجرت ابنتها إيزابيل بريغز مايرز إلى المشروع خلال الأربعينيات. صاغت الاثنتان أول صورة من المؤشر عام 1944، ثم صدرت النسخة المرجعية المعروفة باسم Form M عام 1962 عبر دار Educational Testing Service. لم تكن السيدتان أكاديميتين بالدرجة الأولى، إنما قارئتان عميقتان ليونغ، أرادتا توسيع وصول نموذجه إلى المرأة الداخلة سوق العمل في الحرب العالمية الثانية لمساعدتها في اختيار الوظيفة الملائمة.
وضع المؤشر العلمي اليوم موضع نقاش. الدراسة المرجعية عند Pittenger (2005) أظهرت أن نحو نصف المختبرين يتغير لديهم حرف على الأقل عند إعادة الاختبار بعد خمسة أسابيع، وهذا ثبات أدنى مما يتوقع من أداة قياس نفسي صارمة. الباحثون الأكاديميون يفضلون نموذج «العوامل الخمسة الكبرى» (Big Five) في الدراسات الإحصائية، لأن محاوره متصلة لا ثنائية وثباته أعلى. ومع ذلك تبقى مايرز-بريغز الأداة الأوسع انتشارا في تدريب الشركات والتطوير القيادي ومراكز الإرشاد المهني، وتستخدمها ملايين الفرق سنويا لإثراء مفرداتها في وصف الفروق بين أعضائها داخل بيئات العمل.
لمن ينفع
مايرز-بريغز يخدم ثلاثة قراء بصورة واضحة. الأول القارئ الجديد على علوم الشخصية الذي يحتاج لغة بدء يصف بها ميله العام، فالرمز الرباعي مفردة قصيرة قابلة للحفظ والمشاركة، وقد تكفيه كمدخل قبل المقاييس الأدق. الثاني فريق العمل أو الأسرة التي تريد لغة مشتركة لوصف الفروق بين أعضائها، فالمؤشر يعطي مفردة محايدة تصف الاختلاف من غير حكم، ويفتح حوار «لماذا تستنزفك مهمة أنا أستريح فيها» من غير أن ينزلق الحوار إلى التخوين.
الثالث القارئ الذي ينظر إلى الأنماط بوصفها خريطة عليا ثم ينزل منها إلى يونغ وكليفتون وهولاند للتفصيل. هؤلاء يستخدمون MBTI نقطة بدء لا نقطة نهاية، فيأخذون من الرمز الرباعي توقعا أول يستدلون به على الترتيب الإدراكي ثم يتحققون منه. مفيد كذلك للوالد الذي يحاول فهم اختلاف أبنائه عنه فيجد لغة محايدة لوصف ذلك الاختلاف. لا يحتاجه من يطلب تشخيصا سريريا ولا من يبحث عن قياس قدرة، فهو ليس أداة لأي منهما. ولا يخدم القارئ الذي ينتظر إجابة نهائية عن سؤال «من أنا»، فالمؤشر يصف ميلا عاما لا هوية كاملة.
حدوده الصادقة
القيد الأول هو الثنائية الملزمة. P مقابل J ليسا في الواقع طرفين متقابلين، فالتوزيع الفعلي للناس على المحور قريب من الجرس الطبيعي لا من القطبين. حين تجبر المعالجة على ثنائية، ينتقل القارئ الذي وقع على بعد نصف نقطة من المنتصف إلى الطرف الآخر تماما مع إعادة الاختبار، فيبدو نمطه قد «تغير» وهو في حقيقة الأمر لم يتحرك. هذا الانقلاب الظاهري مصدر شائع للحيرة بين من أخذوا الاختبار مرتين فحصلوا على رمزين مختلفين.
القيد الثاني الثبات. من أعاد الاختبار قد يجد حرفا مختلفا، خاصة إن كان قريبا من المنتصف في أحد المحاور. الثبات يكون أعلى للأشخاص ذوي التفضيل الواضح، وأدنى لمن يقع قرب المنتصف، فالاختبار لا يعرف الفرق بين قارئ على بعد ذرة من الخط وآخر بعيد بعشرات النقاط. القيد الثالث الانحياز الثقافي. الأسئلة صيغت في سياق أمريكي يعمل فيه موظفو المعرفة في مكاتب مفتوحة، فأمثلة الانبساط والانطواء تنحاز إلى هذا السياق، ولا تلتقط بسهولة سياقا عائليا عربيا ممتدا، ولا مجلسا ديوانيا يختلف فيه معنى الانبساط عن الحفلة. استخدم MBTI أداة حوار وفتح لغة، ولا تتعامل مع رمزه على أنه تشخيص نهائي.